محمد غازي عرابي
759
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
لا يستجيب الاسم الموحي للإنسان ، لأن إلهام الاسم نفسه هو من الحق ، فالحق هو الملهم الحقيقي ، أما وجود الأسماء وإلهامها فضرورة لوجود الأين والحيز والجزء ، إذ كل اسم متوجه إلى أين ما وحيز ما وجزء ما في وقت ما ، ولهذا كان دعوة الاسم من قبل الإنسان المتعين قاصرة بل باطلة لأن الاسم يلهم في مجال حدوده فقط أي صفته ، وهذا ملاحظ في صوت الضمير الذي يكلم صاحبه على قدر عقله ، فللعالم ضميره وللجاهل ضميره وللذكي ضميره وللأحمق ضميره بل وللحيوان ضميره الذي هو غريزته ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ) . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 68 ] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 ) [ القصص : 68 ] اتفقت المفسرون الصوفية على أن ( ما ) في قوله تعالى : ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ هي اسم موصول بمعنى الذي ، ويصبح المعنى أن اللّه هو الذي يختار ما يختاره الإنسان ، فلدى التفكير في قضية يتردد الإنسان بين سلب وإيجاب ، ثم يتخذ قرارا فيفعل ، وهذا ما يكشفه الإنسان لدى استبطانه فكره نفسه . . والحقيقة أن ما يحدث هو أن الأسماء هي التي تفعل فعلها في التفكير ، ولهذا قيل إن الروح ينصب على الدماغ فينتج الوعي أي التفكير أو ما يسمى الوعي الحسي نظرا لارتباط الوعي نفسه بالدماغ ، والاسم روحاني ، والأسماء قد تكون متقابلة أو منتاقضة أو مزدوجة ، وفي التردد يكون الفكر في قبضة الأسماء ، فهو بين مرفوع ومخفوض ، مقبوض ومبسوط ، وما دام اللّه قد طبع كل فكر باسم من أسمائه فإن اتخاذ القرار منوط بهذا الاسم القاهر ، فالعملية إلهية مسرحها الفكر الإنساني ، فاللّه هو الرافع الخافض ، القابض الباسط ، الهادي المضل ، وانجزام الإرادة أمر منوط باللّه تعالى كما قال الإمام الغزالي ، ولهذا قالت الأشاعرة الفعل للّه والكسب للعبد ، ولهذا ختمت الآية بالقول : سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 69 ] وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) [ القصص : 69 ] الآية تتابع الحديث عما جاء في الآية السابقة ، وهي نتيجة للوجود الإلهي في الصور ، إذ لا موجود غيره سبحانه في القلب ، هو المليك المحتجب وراء ستارة الأسماء ، ولقد أرخى اللّه الستارة فعاشوا ولو رفعها لطاشوا . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 70 ] وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 70 ) [ القصص : 70 ] نتيجة الوجود الإلهي في ميدان الوجود أنه لا إله إلا هو ، وقوله : وَلَهُ الْحُكْمُ يعني أن